الشيخ محمد هادي معرفة

332

التفسير الأثرى الجامع

واحتجّ المشهور على قولهم ، بالإجماع وعدم مزيّة لإبراهيم لو كان مجرّد تأليفه للطيور حتّى يأنسن به ويأتينه بالدعاء . كما ليس في فرض أبي مسلم إحياء لأموات ، فلم يكن هناك استجابة لسؤال إبراهيم . وأخيرا فإنّ صريح التعبير هو جعل الأجزاء على الجبال ، لا الطيور بأعيانها . وأجاب أبو مسلم عن هذا الأخير ، أنّ التعبير بالأجزاء ، كان باعتبار العدد أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ أي بعضا من الأربعة « 1 » . قال الأستاذ عبده : إنّ فهم المفسّرين القدامى لا يصلح حجّة لفهم الآخرين ، حيث سبيل الفهم سبيل العقل لا النقل والتقليد . قال : وما فهمه أبو مسلم هو المتبادر من عبارة الآية الكريمة . وأمّا ما قاله المفسّرون فهو مأخوذ من روايات حكّموها على الآية ، من غير أن تكون للآية دلالة على ذلك ؟ ! وأمّا قولهم : إنّ ما ذكره أبو مسلم غير مختصّ بإبراهيم ، فلا مزيّة له فيه ، فهو مردود بأنّ هذا المثال إنّما هو لكيفيّة إحياء الموتى وسرعة إجابتهم عند النداء يوم اللقاء ، وليس فيه إراءة معلومات عن سرّ الحياة وكيفيّة تحقّقها التكويني بالذات . وإنّما هو إراءة لظاهرة الحياة ، ولجانب سرعة تكوين ما أراد اللّه تكوينه . إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 2 » . قوله : إنّما أمره أي شأنه تعالى في الخلق والتكوين . ففور إرادته تعالى لتكوين شيء ، فهو يكون . فهذا من إراءة مظاهر قدرته تعالى ، ممّا لا يخصّ إبراهيم ولا غيره من الأولياء المقرّبين ، بل ويعمّ سائر الخلائق أجمعين . وهذا كما في الإجابة على سؤال موسى عليه السّلام : قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي « 3 » . فهذه الحجّة على عدم إمكان رؤية اللّه بالبصر ، قائمة لكلّ البشر ، ولا يخصّ موسى بالذات .

--> ( 1 ) التفسير الكبير 7 : 41 - 42 . ( 2 ) يس 36 : 82 . ( 3 ) الأعراف 7 : 143 .